|
عندما نفقد الزمن
عندما تعيش الاوهام
وتنضج الاحزان
فتخطأُ القرار
وتفقد الزمن .
... "حديث ملائكي"
...
كحالي دائماً قريبٌ منه...لا اتركه يغيب عن نظري الا نادراً.. هائمٌ حوله
كنت ارقبه اليوم يبتسم ابتسامته المعهودة المرسومة قهراً علي وجهه.....يبتسم
لتلك الفتاه الجميلة الهادئة المشرقة..
..فتاةٌ رائعة حقاً... اراها تذوب بعينيه وكلماته وحديثه.... وهو ...يا الله...
عقله ذاهبٌ...يفكرُ دائماً في وهمٍ آخر..له ملامح مثل ملامحي انا.... لم يجده
بعد... ولن يجده ابداً..
ولكني اراه اليوم يكتمُ تذمره الداخلي ويحاول التأقلم علي الحقيقة الواقعة ...
المرّة ...في نظره هو بالطبع.
ودّعها بعينيه... ويديه.. وعقله التائه...
وتحرك ...يسير.. يمسح ملامحها في عقله جزء جزء... قسمة قسمة.. يضع كل حميدها في
كفةٍ يطببها بانفاسه الثقيله......يفكرُ بها هروباً من اوهامه واحلامه مستحيلة
التحقيق... بتلك الدنيا... "علي حد زعمه" التي هي بنظره...يملأها الكـذب.....
ويفقه منها الخــداع.
كنت اساعده بطرقي الخاصة... اجعله يستغرق ويسترسل في حلمٍ جديد جميل...اكثر
واقعية....لابعده عن دروب الجنون والحزن والالم...." التي يعشقها عشقاً غريباً
رهيباً....غريبا هذا الآدمي بالفعل "
ولست ادري لما دفعته دفعاً ويدي فوق راسه ليغني ويهمهم بتلك الاغنية المحببة
الي نفسه وطالما يغنيها....
" اشك اني اصبحت احبها انا الآخر.."
((منيش آخر حبيب يدخل مدينتك..
ولا هتكوني يوم آخر حبيبة..
ده اللي انكتب مفروط يا عنقود العنب
واللي جري غنيوة بس قصيّرة...
مشروخ يا ناي متغنليش..
زعجك وجعني..آه.. ومكفنيش))
- الله يا منير
تمتمها بصوت مسموع مبتسماً من قلبه..
غفوت عنه لحظة...او اكثر قليلاً.. لست ادري بالضبط...تاركاً اياه في ذاك الحلم
البديع الذي نسجته له من خيوط الجنة... ونسيم الازهار..
.............
كان ينزل برتابه درجات سلم محطة قطار الانفاق ..... رتابة كرتابة ضربات
قلبه....المملة الى اقصى حد...
التي لم اعهدها من قبل... ايً كان
حقيقةً لقد آثرتُ راحته علي نشوتي وانا استمع الى موسيقي قلبه المضطربة...
توقف عن السير علي رصيف القطار كتوقف شريانٍ عن النزف... ببطء وتثاقل.
جاء القطار..
واتجهت لعملي المعهود...اقتربت منه وامسكت رأسه بين راحتي... كي لا تصحو تلك
الافكار التي تراوده دائماً امام قطار الانفاق....
همهم بداخله :
- تجلد..... انتظر قدرك بثبات.
انفرجت اساريري قليلاً..
ولج القطار.. ووقف في ركنٍ منه...... واذا بشاب فارع الطول والعرض يقف من جلسته
ويقول موجها حديثه له :
- تفضل اجلس مكاني.... محطتي مقبلة... ،، مشيراً الي مكانه الشاغر.. والناس
وقافٍ كثيرون..
وجدته يحملق في الشاب مذهولاً... عاقداً حاجبيه.... يحملق بالناس من حوله.
...وجلس
مستغرقاً في تفكير عميق .. يحدث نفسه قائلاً... :
- أجنَ هذا الشاب ام ماذا ....؟ ... آه ... اني احسُ بالم في ظهري وقدمي اليسرى...
اتراه ادرك هذا....؟
كان حائراً متساءلاً مذهول....حقيقةً اشفقت عليه.
لم ادري كم من الوقت مكث ولا عدد المحطات التي عبرناها..وانا هائمٌ حولي اكلم
اصدقاءاً لي بلفتاتٍ مني ومنهم.
الي ان وقف مغادراً القطار...
صاعداً ببطء شديد درجات سلم محطة القطار ..تاركاً خلفه هذا العالم المزدحم
بالناس... وبالاصوات...وبالانفاس.
قادته قدماه في الشوارع..وانا مازلت كعادتي هائمٌ فوقه.. من حينٍ لآخر ارشده
بطرقي الخاصة الى اخطارٍ تحدق به
الى ان وصل لبنايته.. وصعد درجاتها.. وطوابقها..بنفس البطء..بنفس الرتابة.
فتح باب شقته.. ثم توقف علي الباب طويلاً محدقاً...يتأمل بيته ملياً.... يفحص
الاثاث... وحديث النفس لا ينقطع.
- ما هذا ... حلمٌ...كابوس.. ما هذا؟
واذا بسيدة قد جاوزت الاربعين ربيعاً بقليل..وان لم تجاوز ملامحها بعد ..لمسات
الجمال..
واذا بها تستقبله قائله :
- اتأخرت ليه...؟ قلقت عليك.
صمت طويلاً.... وتحجرت عيناه.... وتسمرت قدماه...
وجدت نفسي امسك بيداه واحثه علي الكلام..
- مش عارف... " يا الله.... اهذه اجابة يا هذا..."
- ازاي مش عارف... مالك يا حبيبي..
امسكت يديه وجذبته للداخل قسراً " ككل شيء يحدث له في هذه الدنيا- على حد زعمه
– "
وقالت :
- فيه ايه..؟ انت تعبان.. مرهق..
وقادته الى غرفة نومه وشرعت تخلع عنه ملابسه قطعه قطعه .. بحنوٍ بالغ..
وكأنه طفلٌ لا يعلم كيف يفعل ذلك...ثم تركته قائله :
- البيجاما في الدولاب.....ححضر الغدا
وذهبت..
ظلَّ وقتاً طويلاً بجلسته تلك صامتٌ .. مشدوهاً.
احسست انه يهمُّ بالصراخ...ولكني هدأتُ من روعه قليلا بلمسة من يدي علي
جبينه....وسمعته يهمس لنفسه..
- مش كنت معاها من شوية...... بس هي ليه...............
وبتر عبارته وهو يهزُّ راسه كأنه ينفض عنها غبار زمنٍ ..
تحرك حركة آلية نحو خزانة الملابس.... وفتحها... واخذ يبحث عن شيء لا يدري
كنهه..... وانا اهمس باذنه ....... البيجاما... البيجاما..
وراح يضع يديه علي اذنيه ثم علي شعره يتحسسه ثم وجهه...
ثم يهمس مبتسماً ثلاثة ارباع ربع ابتسامة...." يا الله ... ارحمني منه "
قائلاً :
- فهمت.... آه يا زمن..
فاذا بي احس ان جوارحه تهمُّ بالبكاء.... وضعتُ يداً علي جبينه واخرى علي
رأسه......والهمته القول ....
قال مبتسماً نفس الابتسامة المغتصبة وهو يقبل يديه وجهاً وظهراً :
- الحمد لله ... الحمد لله
|